الطبراني
18
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ثم قذف اللّه الرّعب في قلوب الكفرة حتى انهزموا بكفّ من تراب أخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرماه في وجوههم وقال : [ شاهت الوجوه ] « 1 » . ومن قرأ ( ترونهم ) بالتاء فهو خطاب لليهود ، يعني يرون كفار مكة قريشا والمؤمنين رأي العين ، فإن قيل لم قال ( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ ) ولم يقل قد كانت والآية مؤنّثة ؟ قيل : لأنّه ردّها إلى البيان ؛ أي قد كان بيان ، فذهب إلى المعنى وترك اللّفظ . قوله تعالى : ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع ويعقوب بالتّاء ، وقرأ الباقون بالياء . وقوله تعالى : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ؛ أي يقوّي ويشدد بقوّته من يشاء . وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) ؛ أي في غلبة المؤمنين للمشركين مع قلّة المؤمنين وشوكة المشركين ، ( لعبرة ) لذوي الأبصار في الدين ؛ أي لذوي بصارة القلوب ، ويجوز أن يكون معناه : لعبرة لمن أبصر الجيش الجمعين بعينه يومئذ ، وفي قوله تعالى : ( فِئَةٌ ) قراءتان ، من قرأها بالرفع فعلى معنى : إحداهما فئة تقاتل ، ومن قرأها بالخفض فعلى البدل من فئتين ، كما قال الشّاعر « 2 » : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل رماها الدّهر بالحدثان قوله عزّ وجلّ : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ؛ بيّن اللّه بهذه الآية إنّ ما بسط للمشركين من زهرة الدّنيا وزينتها هو الذي يمنعهم من تصديق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما يدعوهم إليه .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير : ج 3 ص 203 : الحديث ( 3128 ) . وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ج 6 ص 84 ؛ قال الهيثمي : « رواه الطبراني وإسناده حسن » . ( 2 ) من شواهد الشعر قول كثير عزة ( ت 105 ه ) كما في كتاب سيبويه : ج 1 ص 432 - 433 : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت ومن الشواهد أيضا قول يزيد بن مفرغ الحميري ( ت 69 ه ) : وكنتم كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل بها ريب من الحدثان